ابن كثير
442
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
مجاهد والضحاك وغيرهما . وقال عكرمة : أثافيها منها . وقوله تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً أي وقلنا لهم : اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا ، وشكرا مصدر من غير الفعل ، أو أنه مفعول له ، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية ، كما قال الشاعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجّبا قال أبو عبد الرحمن الحبلي : الصلاة شكر والصيام شكر ، وكل خير تعمله للّه عز وجل شكر ، وأفضل الشكر الحمد ، رواه ابن جرير ، وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : الشكر تقوى اللّه تعالى والعمل الصالح ، وهذا لمن هو متلبس بالفعل ، وقد كان آل داود عليهم السلام كذلك قائمين بشكر اللّه تعالى قولا وعملا قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد اللّه بن أبي بكر ، حدثنا جعفر يعني ابن سليمان عن ثابت البناني ، قال : كان داود عليه السلام قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة ، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي ، فغمرتهم هذه الآية اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وفي الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن أحب الصلاة إلى اللّه تعالى صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وأحب الصيام إلى اللّه تعالى صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى » « 1 » . وقد روى أبو عبد اللّه بن ماجة « 2 » من حديث سنيد بن داود : حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قالت أم سليمان بن داود عليهم السلام ، لسليمان ، يا بني لا تكثر النوم بالليل ، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة » وروى ابن أبي حاتم عن داود عليه الصلاة والسلام هاهنا أثرا غريبا مطولا جدا وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال : قال فضيل في قوله تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً قال داود : يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك ؟ قال « الآن شكرتني حين قلت إن النعمة مني » . وقوله تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ إخبار عن الواقع . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 14 ] فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام ، وكيف عمى اللّه موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة ، فإنه مكث متوكئا على عصاه ، وهي منسأته ، كما قال ابن عباس
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 37 ، ومسلم في الصيام حديث 186 ، 187 . ( 2 ) كتاب الإقامة باب 174 .